السيد الطباطبائي

188

بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )

بالعرض والمجاز » لاتّحاد ما له مع المعلوم بالذات . ومنها : أنّه تقدّم أنّ كلّ معقول فهو مجرّد ، كما أن كلّ عاقل فهو مجرّد 1 ؛ فليعلم أنّ هذه المفاهيم الظاهرة للقوّة العاقلة ، التي تكتسب بحصولها لها الفعليّة حيث كانت مجرّدة ، فهي أقوى وجودا من النفس العاقلة التي تستكمل بها وآثارها مترتّبة عليها ، فهي في الحقيقة موجودات مجرّدة تظهر بوجوداتها الخارجيّة للنفس العالمة ، فتتّحد النفس بها إن كانت صور جواهر ، وبموضوعاتها المتّصفة بها إن كانت أعراضا ؛ لكنّا لاتّصالنا من طريق أدوات الإدراك بالموادّ نتوهّم أنّها نفس الصور القائمة بالمواد نزعناها من المواد من دون آثارها المترتّبة عليها في نشأة المادّة ، فصارت وجودات ذهنيّة للأشياء لا تترتّب عليها آثارها . فقد تبيّن بهذا البيان أنّ العلوم الحصوليّة في الحقيقة علوم حضوريّة . وبان أيضا أنّ العقول المجرّدة عن المادّة لا علم حصوليّا عندها ، لانقطاعها عن المادّة ذاتا وفعلا . الفصل الحادي عشر كلّ مجرّد فهو عاقل [ وعقل ومعقول ] لأنّ المجرّد تامّ ذاتا ، لا تعلّق له بالقوّة ، فذاته التامّة حاضرة لذاته موجودة لها ، ولا نعني بالعلم إلّا حضور شيء لشيء بالمعنى الذي تقدّم 2 ، هذا في علمه بنفسه ؛ وأمّا علمه بغيره ، فإنّ له لتمام ذاته إمكان أن يعقل كلّ ذات تامّ يمكن أن يعقل ، وما للموجود المجرّد بالإمكان فهو له بالفعل ، فهو عاقل بالفعل لكلّ مجرّد تامّ الوجود ؛ كما أنّ كلّ مجرّد فهو معقول بالفعل وعقل بالفعل . فإن قلت 3 : مقتضى ما ذكر كون النفس الإنسانيّة عاقلة لكلّ معقول ، لتجرّدها ؛ وهو خلاف الضرورة .

--> ( 1 ) راجع الفصل الأوّل من هذه المرحلة . ( 2 ) في الفصل الأوّل من هذه المرحلة . ( 3 ) هذا الإشكال أورده بعض من عاصر الشيخ الرئيس عليه كما نقل في المباحث المشرقيّة 1 : 373 ، والأسفار 3 : 458 .